• السبت 23 فبراير 2019
  • بتوقيت مصر05:11 م
بحث متقدم

حقائق مكذوبة

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

مع الأيام ومواصلة البحث والنظر والقراءة العميقة، لا تزداد علما ومعرفة فقط! وإنما تتكشف لك كثيرًا من الأمور التي كنت تفهمها فهما مغلوطا، وتستقيم لك كثير من المفاهيم التي كنت تظنها على غير حقيقتها.
ولعل هذا النتاج الأخير، من أجل ثمرات القراءة والاطلاع، وهو ما يدعو الانسان دوما أن يكون شغوفا بها، ليدرك ما خفي عليه، ويصحح كثيرا أخطائه وظنونه وأوهامه.
نعم.. فهناك كثير من الأخطاء تملأ حياتنا وثقافتنا وتشوش على فهمنا ووعينا وتقدمنا وانطلاقنا، ومن عجب أننا نعتقدها الأصل الثابت، والحقيقة المقررة، لأننا لا نقرأ من جهة، ومن جهة أخرى لا نحسن القراءة وأدواتها الذكية من البحث والنظر والفحص والمقابلة والتحري والنقد المنطقي العاقل، ونستجيب سريعا لما يشيعه أعداء هويتنا والراغبون في تشويه تراثنا وتاريخنا ورموزنا من شبهات وضلالات وأكاذيب وجهالات وسخافات.
كثيرا ما كنت أكتب في أمور، وأسعد لمعرفتها ونقلها وعرضها على جمهوري من القراء، لمجرد أنها وردت في كتاب تراثي، أو مرجع كبير من مراجع التاريخ، وسرعان ما أكتشف الخطأ الكبير في التعامل معها حينما نخضعها لمقاييس التحري والعقل والمطابقة مع الواقع التاريخي في فتراتها.
وهنا تذكرت قول الأستاذ (أنور الجندي) رحمه الله في كتابه شهادة العصر والتاريخ: " كان الخطأ مازال متصلا بكتاباتي في أمور تاريخية كانت ماتزال مغماة ومن هنا وقع الخلاف بيني وبين كثير من المفاهيم التي كانت بمثابة مسلمات مع أنها خاطئة في الحقيقة خاصة في مجال الأدب والفن، لقد تبين لي أنه في ضوء إيماننا بالإسلام يلزم أن نعيد النظر في مناهج الأدب والنقد الأدبي والتاريخ والاجماع والنفس"  
ولا شك أن هذا دوما شأن القراءة التي تضيء لنا مجاهل العقل وظلام الفهم، إنها تماما كشمعة مضيئة يسير بها صاحبها في العتمة القاتمة، فيرى بها كل شيء ويبصر بها كل مستور، ولو أنها سقطت من يديه وانطفأ ضوؤها لأظلمت الدنيا أمامه، وتوقف عن المسير والخطو للأمام والوصول للمراد.
منذ فترة كتبت مقالا تحت عنوان (جنون المسرفين) صببت فيه جام غضبي على بعض الشخصيات التاريخية التي روت عنها أخبار جنونية في السرف والمخيلة، وكان أبرزها زواج قطر الندى بنت خمارويه ابن أحمد بن طولون حاكم مصر، وما ذكر فيه من ومهر أسطوري وتكاليف الزواج الخيالية، وأرقام تجهيزها وموكبها الهلامية!
فكان منه: "حيث تضمن "دكّة" من أربع قطع من الذهب، عليها قبة من الذهب، مشبوك فى كل عين من تشابيكها قرط معلق فيه حبة من الجواهر القيمة التي يُصعب تحديد قيمتها الفعلية، إضافة إلى "دكّة من الذهب" لتضع عليها قدمها كلما دخلت إلى حجرتها، ومئة هاون من الذهب، وألف مبخرة من الذهب، ومئات الصناديق المحتوية على الملابس والأقراط والسلاسل الذهبية وفصوص الأحجار الكريمة، وكان من بين ملابسها الداخلية ألف "تكّة" ثمن الواحدة منها عشرة دنانير، وهو ما وصل بتقديرات تكلفة الجهاز إلى مليون دينار ذهبي"
ثم ختمت المقال بما ذكر من نفس هذه الصور الفلكية الأسطورية، في زواج المأمون خليفة بني العباس من بوران بنت وزيره الحسن بن سهل.
وقلت: كم أشعر بالخجل وأنا أقرأ بمثل هذا في تاريخنا، والذي يُعطي دلالة على جهل القائمين بغاية الانسان ناهيك عن غاية المسلم. 
ومع القراءات الواسعة والاطلاع العميق، تبين لي أن كثيرا من المؤرخين ولعوا بالغرائب وسلموا بالمبالغات والتهاويل التي تُجافي المنطق وينكرها العقل، وأن التصديق بمثل هذه الأمور، يرجع لضعف الحس النقدي، والتسليم بالمنقول دون تأمل وفحص ومطابقة لركائز العقل والمنطق.
ولعل المحدِّثين كانوا أذكى وأمهر، أو أكثر تنبها لمثل هذه الأمور والمبالغات التي لا تستقيم مع رو الاسلام واحترامه للعقل البشري، حينما جعلوا من علامات الحديث الموضوع (المكذوب)، أن تكون فيه مبالغات شاهقة في الوعد والوعيد، كحديث لقمة في بطن جائع خير من بناء ألف جامع، وحديث ضمان الجنة لمن كان اسمه محمدا، وحديث تحريم الجنة على من صبغ بالسواد.
وهو المنهج الذي كان خليقا بالمؤرخين أن ينحوا نحوه ويسلكوا مسلكه، فلا يسلموا بمثل هذه الغرائب التي وضعها قصاص الإدهاش، ورواة الغرائب، والتي صارت في تاريخنا سُلمة تصيبه بالسذاجة والسخف.!

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما رأيك في الهجوم على الحجاب؟

  • مغرب

    05:53 م
  • فجر

    05:11

  • شروق

    06:34

  • ظهر

    12:13

  • عصر

    15:27

  • مغرب

    17:53

  • عشاء

    19:23

من الى