• الخميس 15 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر04:59 م
بحث متقدم

هل فشلت الحرب الاقتصادية الأمريكية على تركيا ؟!

مقالات

يبدو ـ حتى الآن ـ أن الحرب التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تركيا بسبب أزمة القس الأمريكي السجين "أندرو برونسون" لم تحقق المراد منها ، بل يمكن القول أن الجولة الأولى خسرها ترامب بالفعل ، فالرهان على تدمير الليرة التركية لم يكن دقيقا ، وبعد تراجع مفاجئ وسريع في سعر العملة التركية خلال يومين من الخوف والهلع بعد قرارات ترامب العقابية ، بدأ التراجع يتوقف ، ثم بدأت الليرة تستعيد جزءا كبيرا من خسارتها ، فبعد أن وصلت إلى حدود السبعة ليرات للدولار الواحد قبل أول أمس ، ها هي اليوم تعود إلى حدود الستة ليرات وتتجه كسور الخمسة خلال يومين فقط ، يأتي هذا على الرغم من التهديدات التي أطلقها نائب الرئيس الأمريكي "بنس" وعدد من أركان إدارته ، والتي تتصف بالتشدد واللعب على وتر مشاعر المحافظين الجدد المتشددين دينيا ، والذين ينتمي إليهم القس الأمريكي السجين في تركيا .
عدة عوام شكلت مجتمعة أسباب صمود العملة التركية أمام أعنف حملة اقتصادية تتعرض لها ، وهي حملة صدرت بشكل علني من أكبر ديناصور مالي في العالم وربما في التاريخ ، الولايات المتحدة الأمريكية ، يأتي في مقدمتها روح التحدي التي مثلها موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، فلم يهتز أبدا وعملته تترنح بقسوة مفاجئة ، وقال أنهم سيخسرون الحرب ، وانتشر "هاشتاج" على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا يحمل هذا المعنى "سننتصر" ، وقال أردوغان أن الذين فشلوا في تحقيق مآربهم بالانقلاب العسكري لن يفلحوا بالانقلاب الاقتصادي ، وحقق موقف الرئيس التركي استنفارا لمشاعر الكرامة الوطنية في تركيا ، فصدرت بيانات من جميع الأحزاب المعارضة والشخصيات الرئيسية تعلن تأييدها للموقف الرسمي ودعمها للرئيس أردوغان ، وتناسى الجميع مشاعر المرارة التي خرجوا بها من الانتخابات الأخيرة ، وتشعر أن تركيا كانت على قلب رجل واحد ، وبدون شك ، فقد كانت التغريدة "الاستعراضية" التي أعلن فيها "ترامب" حربه الاقتصادية على تركيا ، كانت سببا في دعم موقف الرئيس التركي ، لأنه لم يعد بحاجة إلى التأكيد على "مؤامرة" تتعرض لها بلاده ولا رغبة في الإذلال ولا يحتاج لإثبات تعرض بلاده لحرب اقتصادية مهينة بقصد كسر إرادتها وإذلالها ، كل ذلك أثبته "ترامب" بغشومية معتادة منه عندما أطلق تغريدته التي يشير فيها إلى حزمة إجراءات "لتأديب" تركيا .
من الأسباب المهمة للغاية في خسارة أمريكا جولتها الأولى مع تركيا ، هي مشاعر القلق التي انتابت دول الاتحاد الأوربي ، على الرغم من أن تركيا ما زالت لم تدخل ضمن الاتحاد ، إلا أن الأزمة كشفت عن عمق التداخل بين الاقتصاد التركي والاقتصاد الأوربي ، لأن الاقتصاد التركي ليس اقتصادا ريعيا ولا أحادي الرافد ، وليس اقتصادا هشا ، ولا ورقيا ، وإنما هو بنية اقتصادية قوية في مختلف المجالات : الصناعة والزراعية والتقنية والتجارية والسياحية والبنكية ، لم يكن أحد يعلم ـ على سبيل المثال ـ أن ألمانيا تملك ستة آلاف وخمسمائة مصنع في تركيا ، ألمانيا وحدها ، فما بالك بما تملكه الدولة التركية ، وما يملكه الآخرون ، أيضا اتضح أن الاقتصاد التركي متشابك ماليا مع عمالقة المال في البنوك الأوربية الكبيرة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا ، وعندما تعرضت الليرة التركية للأزمة المفاجئة وقع اضطراب حقيقي كبير في أسواق المال الأوربية ، وهبطت الأسهم بشكل حاد ، بل هبطت أسعار العملات الأوربية الرئيسية : اليورو والاسترليني ، وهذا ما جعل الدفاع عن تركيا واقتصادها يأتي من خصومها السياسيين في ألمانيا وإيطاليا وغيرهما ، هذا الزلزال يكشف عن قوة الاقتصاد التركي وامتداداته ، ويلاحظ أن الهزة التي حدثت بسبب التلاعب في عملته لم تحدث عندما حدث الانهيار في العملة الإيرانية مثلا ، بل لم يشعر أحد عندما وقع الانهيار في الروبل الروسي نفسه ، وهذا ما جعل للأزمة بعدا إيجابيا على المدى البعيد لصالح سمعة تركيا واقتصادها .
من الأسباب التي ساهمت أيضا في خسارة أمريكا للجولة الأولى من الحرب الاقتصادية مع تركيا الروح العالية التي أبداها الشعب التركي تجاه حكومته وتجاه عملة بلده ، فلم يحدث حالة من الهلع نحو "الدولرة" وكشفت السلطات المالية التركية أن الودائع الموجوة بالبنوك بالليرة لم تتغير تقريبا إلى الدولار إلا بشكل هامشي وضئيل ، وهذا ما يعني الاستجابة لدعوة أردوغان لشعبه أن يخوض معركته بنفسه ، وقد ساعد تدخل البنك المركزي بضخ حوالي عشرة مليارات من الدولارات في السوق إلى تهدئة المخاوف ، فضلا عن إجراءات أخرى منها التحذير الذي أطلقه أردوغان لحيتان العملة الذين احترفوا اللعبة مستغلين الحرب التي أعلنها ترامب على تركيا وقوت شعبها ، ويبدو أن رسالته وصلت هنا أيضا .
المتحدثة باسم البيت الأبيض "سارة ساندرز" أعلنت اليوم أن الرئيس "ترامب" يشعر بإحباط شديد بسبب عدم الإفراج عن القس "برونسون" ، هي لم تفسر سبب الإحباط وهو أن تهديداته لم تفلح في "تركيع" تركيا ، والمؤكد أن إحباطه تعاظم عصر اليوم بعد أن رفضت محكمة تركية التماسا تقدم به محامو القس لتخفيف الإقامة الجبرية ورفع اسمه من قائمة الممنوعين من السفر .
هل تكون الجولة الأولى هي الأخيرة في تلك المواجهة ، ويبحث حلفاء الأمس عن تسوية لائقة للمواجهة ، أم أنها تكون جولة أولى تعقبها جولات أخرى من المواجهات ، لا أحد يملك إجابة اليوم ، خاصة وأن أحدا لا يمكنه التنبؤ بأفعال ترامب ، فهو شخص يمكن أن يقلق من نومه في منتصف الليل فيغرد في تويتر معلنا الحرب في أي بلد ، غير أن التحذيرات بدأت تتزايد في الصحافة الأمريكية عن خطورة الإيغال في الضغط على تركيا ، الحليف الاستراتيجي لحلف الأطلسي ، وحارس البوابة الجنوبية الشرقية لأوربا .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • مغرب

    05:02 م
  • فجر

    05:01

  • شروق

    06:27

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى