• الخميس 18 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر02:12 ص
بحث متقدم

المزاج اليمينى الجديد وواقع الاستباحة!

مقالات

من أسوأ ما أنتجته هذه المرحلة (المحتقنة) من آثار نفسية واجتماعية على المصريين، بوجه عام، خلق ذهنية جماعية "عدوانية" مهيأة للاستباحة، وجاهزة بالتشهير، وشاحذة أدواتها للذبح واغتيال رمزية أى شخصية عامة بصورة (سادية) جاهلة عنيفة مريضة، لا تتورع أن تقتحم خصوصيات الآخرين بجلافة، وتتعدى على حياتهم الشخصية، بعدوانية وعربدة لا تعرف معنى الترفق، ويمكن أن يبلغ الشطط بهذه الذهنية الجماعية الجديدة، أن تلفق وقائع لم تحدث، أو أن تختلق قصصًا مفبركة لا أصل لها، وتحشو بها مواقع النت أو مساحات الفضاء الأزرق دون مساءلة أو تحسب للثمن المدفوع، ولا تتورع هذه الذهنية الجماعية الجديدة، عن طريق رقعة الـ"فيسبوك"، أن تلفق بـ"الجرافيك" صورًا مصنعة مفبركة، عن طريق القص واللصق والتركيب، ويتم تشيير الصورة على نطاق جماعى، ونشرها فى مدى واسع من متلقى الـ"فيسبوك" وفضاءات النت، للإجهاز على الضحية، وتبديد آخر ما تبقى لها من دلالة "العرض" أو معنى السمعة الطيبة!.


ويتلاحظ لدينا أنه فى غمرة مناخ التلاسن السياسى العنيف، والتجاذبات (الدامية) القائمة بين الاتجاهات والتيارات السياسية، أو بين السلطة ومعارضيها، ظهر ما يعرف بنشاط "اللجان الإلكترونية"، وهو عشب طفيلى خطير، نما بعشوائية وتمدد سرطانى على هامش مشهد سياسى مريض، ماتت فيه السياسة، وعلا "الصوت الواحد" و"الوجهة الواحدة" و"الرأى الأوحد"، ومضت اللجان الإلكترونية تزحف إلى صفحات الـ"فيسبوك" بفجور، وتنثر التعليقات السبابة اللعانة بفوضوية وحقد أسود، وتجهز على سمعة الأبرياء فى معركة صفرية مفتوحة متصاعدة، مفعمة بالشر والغل واللدد الغبى فى الخصومة، على نحو لم تعرفه مصر فى أى عصر من عصورها! ومن أسف أن بعض طيبى النية قد يشارك فى "كرنفال الاستباحة" دون قصد، فإذا وجد تعليقًا سلبيًا معينًا يمس سمعة شخص _ من الشخصيات العامة كالدعاة أو الساسة أو الرياضيين أو الإعلاميين أو الحزبيين أو النشطاء _ لم يتبصر ليسأل عن "أدلة" الإدانة ومستنداتها أو مدى موثوقيتها، بل يندفع _ بما يعتبره مجاملة أو تطييب خواطر أو تحية مشروعة لصديق أو جار، أو تنفيس عشوائى عن شحنة غضبه وإحباطه من المرحلة _ فيضع تعليقًا متحاملًا يغذى تيار الإدانة  بصورة عمياء، ويسهم بنصيب ناشط فى "سلخ الضحية" وكأنه يؤدى واجبًا دينيًا أو وطنيًا، ولا بأس لمضاعفة شحنة المجاملة وتصدير الكرم الحاتمى، فى نهش عرض الضحية، من تغذية التعليق بكل فنون السب واللعن المبتذل الساقط السوقى، وسحل الضحية _ لفظيًا _ لسابع جد، فأصبحت تعليقات الـ"يوتيوب" الخاصة بشخصية معينة، لوحة ساقطة لأحط فنون الشتم والإقذاع والألسنة المنحطة السائبة، وفى مناخ الاستباحة المنوه به، تغيب الفكرة، وتتبدد ملامح القضية المعروضة، وتختفى أسئلة الأدلة والتوثيق، ليظهر كرنفال الاستباحة، وحده، يمزق الضحية المسكينة قطعة قطعة، ويفسخ أشلاءها، شلوًا شلوًا! ومن الحتم أن تغيب هنا أصوات الحكمة، ليرتفع صوت الشتم المعربد والإساءة الخشنة، والعنف اللفظى الوضيع!.


من الذى حول شريحة من الرأى العام إلى مسوخ وماكينات لا تكف عن نهش الأعراض والولوغ فيها بهذا المزاج السادى المريض (الجديد)؟! وما رأى علماء النفس والاجتماع والتربية، فى الانحراف بالرأى العام _ أو بشريحة منه _ إلى هذا المزاج اليمينى المتشدد العنيف؟! وما الثمن الذى يدفعه الوطن من مستقبله وسلامه الاجتماعى؟! وهل لعبت محنة الحريات وغياب العدالة وموت السياسة ومحدودية منابر التعبير الطليق، دورًا فى ترسيخ هذا المزاج اليمينى المستبيح، الذى يتنافى مع ما عرف عن المصريين من التسامح والطيبة من أقدم العصور؟! ولابد أن نمد الخطوط على كامل استقامتها ونسأل: "هل لعبت السلطة دورًا جذريًا فى تغذية هذا المناخ منذ البداية بإنشاء "اللجان الإلكترونية" التى تنطق باسمها، وتدافع عن طرحها السياسى، وتستهدف خصومها السياسيين.


وفى الضفة الأخرى، هل يمكن  أن نبرئ طائفة من التيارات المعارضة والإسلامية من "الداء نفسه" حيث مضت _ بدورها _ تترصد لـ"شخصيات" بعينها، قد تكون خارج دائرة الصراع السياسى أصلًا، لكنها أصبحت _ بتأويل سياسى معين _ فجأة فى مرمى القصف اللفظى المكثف والحملات الإعلامية والإلكترونية العنيفة، نتيجة لاجتهاد فردى بدأه أحدهم أو تكهن به، لم يلبث بالحشد والتضخيم والمبالغات، أن تحول إلى حالة قصف جماعى شتام/ لعان لا يعرف معنى التوقف!.


وعلى صعيد الأداء الإعلامى المعارض، خصوصًا فى تركيا، فُوجئت بحملة رهيبة شنها أحدهم _ ومضى آخرون يجاملونه بالحشد! _ ضد اللاعب الشاب "محمد صلاح" بعد الخروج المهين للمنتخب المصرى من المونديال، إلى حد اتهامه بالتواطؤ مع "المخابرات البريطانية"!! وأن "صلاح" فيما يرى المعارض الثورى / الهمام، تم تجنيده _ استخباراتيًا _  داخل معسكرات فريق "ليفربول"، وتوسعت الحملة بآليات الاستباحة نفسها؛ لتصور "صلاح" على شاطئ البحر بشعر صدره وبزوايا معينة من اللقطة لتنفير الناس منه، ودس آخرون فى إطار حملة الاستباحة نفسها، صورة له وهو يرتدى البنطلون الجينز الممزق (الموضة الجديدة) لخلق حالة عدائية له فى ذهنية الشباب بالخصوص؟! ثلاث مباريات فى المونديال كانت كافية لشيطنة "صلاح" واستهدافه بحملة متبلدة شديدة الضراوة داخل مصر وخارجها، تحولت إلى اغتيال معنوى متكامل؟!.


ولم يكن بعيدًا عن هذه الأجواء، الحملة الجديدة ضد تيار من يطلق عليهم "الدعاة الجدد" _ على هامش زيجة "معز مسعود" الجديدة! _  فأصبح كل الدعاة حديثى السن "تجار بيزنس" وشبقيين، يطاردون جميلات السينما والفن فى الطرقات؟! وتم _ من خلال حملات الاستباحة التى شارك فيها الإعلام واللجان الإلكترونية بهمة _ تكريس صورة ذهنية لـ"الداعية" تنافى أى معنى للفضيلة أو الخير أو نظافة اليد والاستقامة! وفجأة أصبح الدعاة الجدد عن بكرة أبيهم _ وكثيرون منهم أصدقاء شخصيون لى، وقد آنست فى كثيرين منهم الإخلاص والخلق الجم مثل "شريف شحاتة" و"عصام حمدى" و"مصطفى حسنى" _ أقول فجأة أصبحوا رماحًا مسنونة فى خاصرة الوطن، لوثت حاضره، وضببت صورة مستقبله! التعميم كان خطيئة، وغياب التوثيق والأدلة فى طرح القضايا كان عارًا مخجلًا ندفع ثمنه، والاندفاع فى لدد الخصومة وفجورها بطريقة هستيرية، أصبح سمة ملازمة للمرحلة. 
أقول بوضوح: حذارِ من الولوغ فى الأعراض حيث حذر النبى (صلى الله عليه وسلم) من هذا التشهير الأسود فى غير أدلة: "أيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة، يشينه بها فى الدنيا وهو منها بريء، كان حقًا على الله أن يذيبه يوم القيامة فى النار، حتى يأتى بنفاد ما قال". 
وأقول بوضوح أشد: "أوقفوا الثيران الهائجة، وأعيدوا صوت الحكمة، ممثلًا فى "الكبار" حقًا الذين لزموا بيوتهم، زمنًا، وآن لهم أن يخرجوا الآن لإنقاذ ما تبقى من المستقبل!.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • فجر

    04:41 ص
  • فجر

    04:41

  • شروق

    06:05

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:59

  • مغرب

    17:25

  • عشاء

    18:55

من الى