• الأربعاء 17 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر07:12 ص
بحث متقدم

ليس دفاعًا عن الأستاذ جمال سلطان

مقالات

لم يكن الأمر مفاجئًا لي وحدي، بل للكثيرين الذين تعلقت أحلامهم وأشواقهم بثورة 25يناير، أن تنتهي نتيجة الجولة الأولى من أول انتخابات أجريت بعد الثورة إلى ما انتهت إليه، وما أسفرت عنه من انحصار مقعد الرئاسة بين الدكتور محمد مرسي، مرشح "الإخوان المسلمين"، والفريق أحمد شفيق، مرشح دولة مبارك.
كان يحدونا الأمل في أن تفرز الانتخابات عن رئيس منتخب، يترجم شعارات الثورة إلى واقع ملموس، ويطبق الأهداف التي نادت بها ( عيش – حرية – عدالة اجتماعية) في قرارات ثورية جريئة، تقودنا إلى دولة قانون حقيقية، لا أن تأخذنا بعيدًا عنها، وتعيدنا إلى ثنائية ما قبل يناير: الإخوان، ودولة مبارك.
لكن في النهاية، لن تغير حالة الحزن من الأمر شيئًا، فإذا كنا نطالب بالديمقراطية، فأولى بنا أن نحترم ما ستسفر عنه، ولا أخفيكم، فقد ذهب صوتي في الجولة الأولى من انتخابات 2012 إلى الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح، كنت أراهن عليه بشدة، خاصة بعد أن خلع عباءة الإخوان، وحتى قبل ذلك بسنوات، فأنا أكن له احترامًا شديدًا، لكونه "عقلاً مختلفًا" متمردًا على قيد التنظيم، الذي يقيد الفكر والعقل، ولا يسمح بأي تغريد خارج السرب، القائم على منهجية السمع والطاعة.
بعد يوم عمل مضن، ومتابعة لنتائج الفرز، بدا أن الحلم يتبخر رويدًا رويدًا، لأصحو في صبيحة اليوم التالي على "كابوس"، حتى إنني كنت أحمل قدماي بصعوبة، والمفارقة الطريفة، أنني وقعت لضحية نصب، بسبب شرود ذهني، بينما كنت متجهًا إلى مقر "المصريون" بمنطقة وسط البلد، وأنا عازم ألا أعطي صوتي، سواءً لمرسي، أو شفيق بأي حال.
أبلغت الأستاذ جمال سلطان، وكان قد سبقني مبكرًا إلى الجريدة، بنواياي مقاطعة الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة، لأنني لا أرى في كلا المرشحين من يمثل طموحي وأحلامي في قيادة السلطة بالصورة التي أتمناها، وهو الذي أعطى صوته مثلي لأبوالفتوح في الجولة الأولى.
لكنه رفض ذلك، وطلب مني العدول عن فكرة المقاطعة، مثلما فعل كثير غيري ممن أطلق عليهم "عاصرو الليمون"، الذين اختاروا أخف الضررين، بالتصويت لمرسي، حتى لا تخطف "دولة مبارك"، أو ما كنا نسميهم وقتها بـ "الفلول" الحكم، ولأن وصول شفيق كان يمثل من وجهة نظر هؤلاء الذين لم يجدوا بدًا من التصويت لمرشح "الإخوان"، اضطرارًا، لا حبًا، انقضاضًا على ثورة يناير، وهزيمتها بالضربة القاضية.
اقتنعت بوجهة نظره، وآمنت بضرورة أن ذهب إلى التصويت لمرسي، وهو ما كان بالفعل، حتى جاء يوم الإعلان الرسمي عن النتيجة، وبدا أن الأمور تسير في اتجاه مغاير، لمنح مقعد الرئاسة لشفيق، لنعيش ساعات عصيبة على أعصابنا، مثل الملايين الذين صوتوا لمرسي، من أجل الحفاظ على البقية الباقية من ثورة يناير، والذين كانوا يؤمنون بأنه إذا لم ينتصر لمبادئها وأهدافها، فلن يكون أمامهم سوى الشارع لخلعه، كما خلع سلفه من قبل.
صحيح أن مرسي حصل – وفق نتائج الفرز وبناءً على الأرقام الرسمية في اللجان المختلفة – على أعلى الأصوات، وكنا في "المصريون" أول من كتبنا عن فوزه ، وسهرنا في الجورنال حتى الفجر، لمتابعة نتائج الفرز، لكن بدأت تسريبات تصب في اتجاه مغاير، إعلاميون من عينة مصطفى بكري، بدأوا يتحدثون عن حسم النتيجة لشفيق، حتى أنه قال إن الحرس الجمهوري في طريقه إلى منزل الفريق، استعدادًا لتتويجه رسميًا، وكان ذلك قبل أقل من ساعة على عقد المؤتمر الصحفي للجنة العليا للانتخابات.
وضعنا أيدينا على قلوبنا، واحتبست أنفاسنا، كما احتسبت أنفاس الملايين في بر مصر، استعدادًا للإعلان "الرسمي" عن اسم رئيس مصر المنتخب، كانت هناك حالة من السكون، هدوء في الشوارع، القاهرة التي تضج بالصخب، تشعر أنها مدينة للأموات، فقد توقفت كل مظاهر الحياة استعدادًا للحظة الحسم.
تعلقت أبصارنا بشاشة التليفزيون، وقفنا جميعًا، الكل أعصابه مشدودة، حتى جاءت لحظة الإعلان عن فوز مرسي، فانخرطنا جميعًا في فرحة عارمة، وكأننا في مباراة لكرة القدم، احتضنا فيها بعضنا البعض، مشهد لم أعشه من قبل، وجدت فيه الأستاذ جمال سلطان في حالة من السعادة والسرور لم أعهدها عليه من قبل، وكذلك الأستاذ محمود سلطان، ولم يكن ذلك إلا لرغبة في الإبقاء على حالة الوهج الثوري.
فجأة تحول هدوء القاهرة إلى أمواج هادرة للملايين، وهتافات للثورة تزلزل ميدان التحرير والشوارع المؤدية، لم تكن كل هذه الحشود إخوانية بكل تأكيد، لكنهم اصطفوا خلف مرسي، بغضًا في دولة مبارك ورجالها.
نزلت إلى الشارع وقتها أنا والأستاذان جمال ومحمود كي نعيش أجواء الفرحة، وأخذنا نتجول في الميدان، ولا زلت أتذكر لحظة أداء مرسي اليمين وكنت أجلس في المكتب مع الأستاذ جمال، وكان الرئيس الأسبق يسترسل في الكلام، وهو "يفتح صدره" أمام الملايين الذين احتشدوا في الميدان، بينما يطلب منه مبتسمًا أن يتوقف عن ذلك، خوفًا عليه.
لم تكن هناك كراهية سابقة كما يزعم الإخوان الآن، وهو ما يمكن رصده في مقاله اليومي، على مدار الشهور الست الأولى التي أعقبت وصول مرسي إلى السلطة، لكنه مثل غيره أصيب بحالة من الصدمة في ظل الأداء المتخبط للرئيس، والقرارات المخيبة لآمال الكثيرين، والنشوة غير العادية التي سيطرت على الخطاب الإخواني، ورفضهم الاستماع إلى أي نصائح، في ظل تنامي السخط الشعبي.
كانت "أحداث الاتحادية" والصور التي تم تناقلها وقتها عن تعامل الأمن بقسوة مع المحتجين على الإعلان الدستوري لمرسي، والصورة الشهير لما بات يعرف باسم "حمادة المسحول"، الذي ظهر مجردًا من ملابسه، هي نقطة التحول الحقيقية في مقالات رئيس تحرير "المصريون" إلى توجيه انتقادات لاذعة ضد "الإخوان"، والتي استمرت على هذه الوتيرة حتى 30 يونيو، في ظل اللامبالاة والتسفيه من حالة الغضب المتنامي في الشارع وقتها.
بدت الرئاسة منزعجة إلى حد كبير من مقالات الأستاذ جمال، فتم دعوته للقاء مع الدكتور أيمن علي، مستشار الرئيس للشئون الخارجية، في محاولة لخطب وده واستمالته، وهو اللقاء الذي تحدث فيه رئيس تحرير "المصريون" عما حدث في دول أمريكا اللاتينية وإمكانية تكراره في مصر، إذا لم يعدل "الإخوان" عن مسارهم في الحكم، يقول لي: بدا الرجل كما لو كان يستمتع بحدوتة، ولا يعر ما يقوله أي اهتمام، وعندما سأله عن الجيش، أشار إليه بكل ثقة إلى أنه في "جيبهم".  
حتى لحظة الاستماع إلى خطاب مرسي الأخير الذي استمر لساعتين أو أكثر كان يظن الأستاذ جمال، أنه في الإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن بدا أنه لا جديد لديه، وليس لديه الاستعداد حتى ليتخلى عن رئيس الوزراء هشام قنديل، للتخفيف من حدة الاحتقان الشعبي، أو تشكيل حكومة تضم في صفوفها شخصيات معارضة.
فلم يكن الرهان على البقاء في السلطة مرتبطًا برغبة الشارع، بقدر ما هو متعلق بالرهان على التحالف مع الجيش.  
هذا بعض وليس كل مما يمكن البوح به، ليس دفاعًا عن شخص الأستاذ جمال، فهو جدير بأن يدافع عن نفسه، وأن يخوض معاركه بقلمه، لكنها شهادة مهمة، وإنصاف له، في ظل الحملة المستعرة التي يشنها الإخوان عليه حاليًا، عبر مواقع التواصل ومنابرهم الإعلامية، والتي يستخدمون فيها ضده الشتائم والسباب بكل أشكالها المنحطة، لمجرد أنه يطالب "الإخوان" بالاعتذار للشعب عن خيانة ثورة يناير، ويكشف عن تفاصيل وكواليس مهمة مما كان يدور في مرحلة ما بعد 3يوليو، وما حدث في اعتصام رابعة، والمقامرة التي خاضها "الإخوان" وقتها للعودة إلى السلطة على أرواح الشباب الذين دفعوا بهم إلى الميادين.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • ظهر

    11:45 ص
  • فجر

    04:41

  • شروق

    06:04

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:59

  • مغرب

    17:26

  • عشاء

    18:56

من الى