• الخميس 26 أبريل 2018
  • بتوقيت مصر02:00 ص
بحث متقدم

نضوب القلم

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

التوقف عن الكتابة حالة تعتري كثير من الكتاب والمؤلفين، يشعر المرء فيها أنه أصبح خاويًا تمامًا ولا يجد ما يكتبه أو يقوله، وهي حالة تُصيب الروائيين والقصصيين أكثر مما تصيب والمفكرين والفلاسفة، لأن الأوائل يرتبط إنتاجهم بالإبداع والخيال الذي هو عرضة مؤهلة للإصابة بنوبات النضوب، أما الفكر فهو مرتبط بحياة الناس وأحداث الإنسان التي لا تنتهي وتعمل على تجديد أفكاره وإثارة انتباهه باستمرار وتواصل.
ولعل التوقف عن الكتابة يكون لدى كثير من أصحاب الأقلام، بمعنى التوقف عن السعادة، والتوقف عن الحياة ذاتها، لأن الكتابة بالنسبة لهم هي الحياة والعشق والشعور الفعلي بالسعادة.
إن أحدهم إذا توقف عن إمساك القلم، تَسّوَدُ الدنيا في وجهه، ويشعر باليأس، ويرى العالم حوله في بؤس قاتم، وتكون بداخله أحاسيس من الألم لا يدري عنها، ولا يشعر بها أحد ممن حوله.
وفي الأدب العالمي كان هناك نماذج كثيرة، وأسماء لامعة أصيبت بعملية الفتور الكتابي، والتوقف الإبداعي، حيث توقف الشاعر الفرنسي (رامبو) عن الشعر نهائيًا بعد كتابه الثاني، وهو في (19) من عمره ولم يعد إلى الكتابة، وهو ما فعله جيرومي سالنجر الذي ترك أربعة كتب هامة، ثم لزم الصمت لأكثر من (30) عامًا، مثله مثل الكاتب الأرجنتيني (أنريكه بانش) الذي نشر عملاً رائعًا هو (صندوق الاقتراع) ثم أحاط نفسه بالصمت والغموض لخمسة وثلاثين عامًا.
كذلك (شكسبير) الرجل الذي قلب تاريخ الأدب العالمي، حيث اكتفى في أواخر أيامه بأن يعمل مرابيًا، واشترى راحته البدنية والذهنية بإبداعه.
وهناك رواية لستيفن كينج تتحدث عن هذه العلة، وتحكي عن كاتب يُصاب بهذه السدة الكتابية أو الشلل القلمي، والصمت الرهيب، ويحاول استدعاء إبداعه وخياله ولكن لا استجابة على الإطلاق، حيث كل شئ معطل، وتنتهي تنتهي القصة بانتحاره.
ونجيب محفوظ توقف سنينًا طويلة بعد انقلاب (52) يوليو حتى كتب أولاد حارتنا عام (61) أي مدة عشر سنوات.
ويُرجع الكثيرون هذه الحالة من الفتور والصمت الكتابي إلى الشعور بالملل أو الارهاق أو الخوف أو الإحساس بالحيرة وعدم الثقة بالنفس، والشعور بأن ما يُقدمه المبدع ويكتبه ليس جديرًا ولا يعجب القراء، أي أنها ترجع للحالة المزاجية التي يعيشها الكاتب ويحياها.
وقد يكون داء الصمت الكتابي ناتجًا عن كسل وترهل فكري ومن ثم لابد من الجهد والحماس في محاربته والتصدي له عبر طرق مجربة، لَفتَ إليها كثير من الكتاب، قال (نجيب محفوظ) في حوار له مع فؤاد دوارة: إنه كان أحيانًا يجلس إلى المكتب، وليس في رأسه فكرة واحدة، ويكتب من وحي القلم، أي أنه كان يتغلب على السكتة الإبداعية المؤقتة بالكتابة، بكلمات حتى لو بدأت من فراغ، فإنها تقود إلى كلمات وإلى كتابة. 
أما (إيزابيل اللندي) فإنها تتغلب على ذلك التوقف المؤقت حسب قولها بكتابة شيء آخر، مثل مذكرات يومية، ولهذا السبب كتبت كتابها (أفروديت)، بعيدًا عن عالم الرواية والأدب. 
وهكذا فإنها تقترح في حال التوقف، أن يكتب الكاتب في أي موضوع؛ عليه أن يكتب بحثًا، أو مذكرات، أو مقالاً، المهم ألا يتوقف عن الكتابة.
وبعض الذين ناقشوا هذه القضية، رأوا حلولا يمكن أن تُرضي الكتاب الذين يصابون بدائها، حيث تعتمد في المقام الأول على تغيير الروتين الذي يعيشه الكاتب وتغيير نمطه الحياتي، كالخروج للمشي والتنزه، وممارسة الرياضة، وتغيير المحيط الذي يحيا فيه، أو القراءة في لون جديد من ألوان الثقافة، أو خدمة البيت وتنظيفه، وإعداد الطعام في المطبخ، والتعرف على أصدقاء جدد، وكلها تصرفات تُساعد على تجديد شخصية الإنسان الكاتب، وإيجاد الجديد في حياته، حتى تُخرج حسه وشعوره من إطار التبلد الذي يحيا فيه.
وبعضهم يرى أن الهم والحزن والشعور بالظلم والقهر إن وجد، فإنه يكون من الأسباب التي تقضي على فتور الكتابة، لأنها تصهر الوجدان، وتحرك الشعور، وتلهب العاطفة، التي تستدعي القلم، ليصور ما بداخلها من صواعق الإبداع.    

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توافق على رفع رواتب الوزراء وكبار المسئولين؟

  • فجر

    03:51 ص
  • فجر

    03:51

  • شروق

    05:20

  • ظهر

    11:58

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:36

  • عشاء

    20:06

من الى