• السبت 22 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر10:47 ص
بحث متقدم

وحدة مصر وسوريا وصفحة من كتاب (الخيبات)

مقالات

ستظل المنطقة العربية فى فترة ما بعد الاستعمار مادة تاريخية مثيرة للدارسين والباحثين وهى الإثارة التى تتجاوز  الحالة العلمية والمعرفية لتصل إلى الحالة الكوميدية والمسرحية..كوميديا سوداء ومسرحا للعبث..والمتأمل فى الأحداث الكبرى التى جرت فى الخمسين سنة الماضية سيخرج بانطباع واحد قائلا يا لهول كل هذا العبث ..عبث من النوع الغليظ يا إخوتى فقد جرى على شعوب ومقدرات ومصالح وفى فترة من اكثر فترات تاريخ المنطقة العربية استعدادا ويقظه لقيام نهضة كاملة تشبه ما حدث فى دول ما يعرف بالنمور الاسيوية فى الفترة من الستينيات الى التسعينيات  والتى كانت من أفقر الكيانات عالمياً وأكثرها تأزماً لتصبح واحدة من أهم الدول الاقتصادية العالمية..هذه الفترة تحديدا كانت من اكثر الفترات العبث والمسرحة على ما قال د/ محمود فوزى وزير الخارجية ورئيس الوزراء الأسبق(مسرحة بلا مسرح). ومن اكثر مسرحيات تلك الفترة  عبثا وخيبة وعبطا ..مسرحية الوحدة بين مصر وسوريا والتى يمر هذه الايام ستون عاما على قيامها 22/2/1958 . ولازال أصدقائنا القوميون والناصريون 
والبعثيون يسقون ويشربون على أطلالها ..على قال ابراهيم ناجى رحمه الله
لازال خطابهم الخشبى بذات المصطلحات وذات التركيبات .
............
ولقد كان ذلك كله مدهشاً ولكنه لم يكن من صنع الصدف لقد مهدت عوامل كثيرة وكبيرة ونبيلة وعميقة لهذا الذى ربط بين مصر وسوريا مهدت الطبيعة ومهد التاريخ ومهد الدم ومهدت اللغة مهدت الأديان ومهدت العقائد مهدت السلامة المشتركة ومهدت الحرية ..كذلك اشتركت فى التمهيد له تجارب من الألم والعذاب صنعها فرسان الطغيان الثلاثة _السجن والمنفى والمشنقة _ولكن ذلك كله كان يمهد لهذا الفجر الذى نشهد اليوم مطلعه بعد ليل طويل) جزء من كلمة البكباشى فى مجلس الأمة وهو يعلن قيام الوحدة..!!؟؟دعك من كلامه الكرتونى عن الطبيعة والتاريخ والدم واللغة والاديان والعقائد فتلك الامور العظام ليست من شأنه ولا شأنه زملاؤه الأحرارالذين ماتت على خيبات أياديهم كل القيم الكبيرة لحساب طبقات تأتى من العدم لتهيمن على صورة المجتمع... ولكن قف بنا وتأمل على جملة فرسان الطغيان الثلاثة( السجن والمنفى والمشنقة)..الرجل كان يتحدث جادا لا هزلا وهو الذى أذاق شعبه من الثلاثة الوانا والوان..ولأن الكذاب لا مرؤه له و مفضوح بين عينيه..اطلق على تلك القبائح الثلاثة (فرسانا) مع ما تحمله الكلمة فى الوعى العام من بطوله وزهو وشهامة .
وهكذا يا اخوتى تشكلت الجمهورية العربية المتحدة ذات الإقليمين الجنوبى والشمالي جمهورية لها حكومة مركزية واحدة فى القاهرة يرأسها البكباشى ويعاونه اربعة نواب عبد اللطيف بغدادى وعبدالحكيم عامرمن مصروأكرم الحورانى وصبرى العسلى من سوريا ومجلس تنفيذى لكل إقليم.. 
العقيد السوري عبد الكريم النحلاوي و مهندس الانفصال فيما بعد(28/9/1961)قال انه عندما غادر وفد عسكري من سوريا الى مصر _دون علم وإذن الرئيس السورى وقتها شكرى القوتلى أو حتى رئيس الوزراء صبرى العسلى_ المهم ان البكباشى الرجل الذى يعرف الأصول والأخلاق استقبلهم  ورحب بهم وقال لهم شروطه للقبول بالوحدة..وهو(حل الأحزاب وعدم تدخل الجيش بالسياسة )المطلب الأول  كان ضرورة لتفتيت المجتمع كما فعل فى مصر والمطلب الثانى فشل فى تحقيقه لعدم قدرته على مواجهة نفوذ عامر فى الجيش . 
..................
واستطرادا فى مسألة الجيش والسياسة سأحكى لكم حكاية طريفة حول هذا الموضوع..كان الممثل احمد مظهر دفعة البكباشى وصديق له ولزملائه وكان متزوج من ابنة محمد صلاح الدين باشا وزير الخارجية الوفدى والسياسى العتيق والمقرب من رئيس الوزراء وزعيم الوفد مصطفى باشا النحاس وقبل قيام انقلاب ليلة 23 يوليو طلب منه البكباشى أن يخبر حماه ليستطلع رأى النحاس..وفعل احمد مظهر وكان رد الرجلين هوالرفض التام لفكرة دخول الجيش فى السياسة..وأكدا (كما سيؤكد كل من له فى السايسة والتاريخ والأفكار وما بعد الأفكار)أن الجيش اذا دخل فى السياسة فلن يخرج منها . ورفضا فكرة الانقلاب العسكري على الملك . بعد نجاح الانقلاب سيتم محاكمة صلاح الدين باشا والحكم عليه بالسجن 15 سنة وللأقدار يتدخل الرئيس شكرى القوتلى ودول المغرب العربى  للإفراج عنه ( لما فعله فى سبيل تونس والمغرب والإسلام جميعا ) كما كتب عنه المجاهد الفلسطينى محمد على الطاهر  .
...................
 سيحكى لنا التاريخ أن خروتشوف الرئيس السوفيتى  حذرالبكباشى من قصة الوحدة الاندماجية  للفوارق بين  المصريين والشوام ناهيك عن عدم الإلمام الكافى  بالحالة السياسية في سوريا ونصحه بفكرة(الاتحاد) وليس الوحدة و لمدة 10 اعوام بعدها من الممكن التحول الى الوحدة الكاملة الا ان صاحبنا رفض كان على استعداد للتضحية بأى شىء على مذبح زعامته والتهييص الصاخب لسيادته ...كان يمتلأ جهلا بأن الفكرة ليست الأساس بقدر الكيفية التى تطبق بها الفكرة. 
سيعرض الرئيس القوتلى نفس العرض(فيدرالية) إلا ان البكباشى أصر على الاندماج الكامل دون صورة واضحة ودون تخطيط ودون دستور !! حيث وضع دستور مؤقت وهو ما بقى حتى الانفصال .. 
كان الضباط المصريون يعاملون الضباط السوريين بتعالى وغطرسة لأنهم اعتادوا على هذه الطريقة في التعامل  مع المصريين ..هكذا قال اللواء جمال حماد والذى اكد ايضا إن قوانين التأميم التي تم تطبيقها في مصر لم تكن لتصلح لتطبيقها في سوريا فالسوريون بطبعهم تجار ورجال اعمال وليسوا (موظفين).. 
ولمن يحكون حكايات المقاهى عن تعامل البكباشى الحكيم مع الانفصال والانقلاب..وانه قال (لتذهب الوحدة وتبقى سوريا ) سيذكر لنا التاريخ أنه أرسل الرائد جلال هريدي على رأس قوة من قوات الصاعقة(200 جندى وعشرين ضابط) للانضمام الى  حامية اللاذقية التى رفضت فى البداية فكرة الانفصال والانقلاب وبينما كانت الطائرات في الجو متجهة إلى اللاذقية أعلنت حامية اللاذقية انضمامها إلى الانقلابيين وليتصل البكباشى بالرائد جلال هريدي باللاسلكي ويطلب منه أن يسلم نفسه للسوريين لأنه كان في الطائرات الثلاث الأمامية التي لم يصلها خبر تراجع حامية اللاذقية ..وبالفعل سلم نفسه هو وجنوده وتلقوا أسوأ معاملة..وأودع الرائد هريدى سجن المزة   .
يقولون ان المصريين فى الحالتين لم يعرفوا شيئا عن قيام الوحدة ولا عن انهيارها الا من خلال الاغانى والتعبئة الإذاعية واسم الجمهورية العربية المتحدة..وهذا يا اخوتى هو حال المصريين مع كل حدث جلل يشمون فى بواكيره روائح (الهجص). وما كانت الوحدة  المسرحية بين مصر وسوريا و التى يمرعليها اليوم ستون عاما إلا صفحة واحدة من كتاب الهجص الأليم والخيبات العميمة التى  سطرها لنا البكباشى.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • ظهر

    11:53 ص
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:48

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:20

  • مغرب

    17:57

  • عشاء

    19:27

من الى